الشيخ عباس المحمد النصار

نقل الشيخ قبلان النصار مركز حكومته من مزرعته (مشرف) الى قلعة هونين وأستأثر بحكومة جنوبي جبل عامل أو بلاد بشارة الجنوبية كلها لأنه كان رأس العشيرة وأكبر زعماءها سناً وأعرضها جاهاً، وكان بقية افراد الاسرة فتياناً حديثي السن.

وفي العام 1750 م نشأ خلاف بينه وبين ابناء عمه على حكم المقاطعة انتهى بتحكيم الشيخ ظاهر العمر، وكان صديقاً لزعماء جبل عامل، فانقسمت المقاطعة الى ثلاثة اقسام: الأول قبلان، والثاني عباس بن محمد بن مشرف، والثالث ناصيف بن نصار بن محمد بن مشرف. والاخيران زعيمان من آل وائل ذاع صيتهما ونبه ذكرهما من  العشيرة في ذلك العهد.

 وعقد اجتماع حافل برياسة الشيخ ظاهر وقسمت اقطاعات بلاد بشار الى ثلاثة اقسام فكان سهم الشيخ قبلان: جبل هونين، وسهم الشيخ ناصيف: جبل تبنين والبلدان الجنوبية كلها، وسهم الشيخ عباس: مقاطعة قانا ومقاطعة شحور ومقاطعة الشعب.

وأعطيت صور للشيخ قبلان فرفض قبولها بحجة انها بلد خربة لا يوجد فيها الا مصنع للملح (ملاحة) فأعطيت للشيخ عباس.

استلم الشيخ عباس صور وبنى فيها داراً للحكومة لم تزل عامرة الى اليوم وموقعها على باب المدينة، وشاد فيها مسجداً وكنيسة وسوقاً ودوراً كثيرة، وأسكن فيها عائلات كثيرة من المسلمين والمسيحيين من سكان جبل عامل وجبل لبنان.

وكان يصرف فيها فصل الشتاء، ويصيف في قلعة مارون الواقعة في ناحية شحور بالقرب ديردغيا.

ولم يمض ِ اربع سنين حتى غدت صور بلدة تجارية، وكثر فيها الاخذ والعطاء وأمت اليها السفن الشراعية لإفراغ شحنها وأبتياع حاصلات البلاد من حبوب وقطن وزيوت.

ولما رأى قبلان تقدم العمران في صور ندم على تسليمها لابن عمه الشيخ عباس ففاوضه بإعطائها له فلم يجب طلبه ووقع الخصام بينهما.

نتيجة لذلك قرر قبلان الاستيلاء على صور عنوة، فاغتنم فرصة غياب الحاكم عباس وولده حسين عن صور في زيارة للشيخ علي الظاهر في قرية الجش، فهاجم صور على رأس اربعماية فارس ونهب دورها ومتاجرها وحلي نسائها، وأسر الشيخ حمزة اخا الشيخ عباس وكان صغيراً وسار بهم الى هونين.

وطار الخبر الى الشيخ عباس فأسرع بخيله ليقطع عليه الطريق، فلحقه في وادي الحجير وقد نزل على عين ماء تسمى عين الطابورة واقعة بين القنطرة والقصير، وقد تقدمته الاسلاب والاسير الى هونين.

وفي تلك البقعة دارت بين الطرفين معركة تغلب فيها الشيخ عباس على قبلان فأخذه أسيراً وسجنه في قلعة مارون وبقي قبلان فيها اسيراً عدة اشهر.

وقد طلب اخوته وساطة الشيخ ناصيف لانقاذه من الاسر فرد طلبهم ورماهم بالغدر والخيانة قائلاً لهم: لقد هتكتم ستر العشيرة باعتدائكم الشائن.  وألحوا عليه كثيراً فأجاب طلبهم وركب في شرذمة من رجاله وسار قاصداً قلعة مارون مقر الشيخ عباس فلقيه بالحفاوة والترحاب. ولكن ناصيف ابى ان ينزل عن ظهر جواده ويقبل ضيافته حتى يجاب طلبه كائناً ما كان. والقاعدة كانت عندهم يومئذ أن يخاطب الزائر المزور وهو راكب على ظهر جواده قائلاً ها جازت ؟ فإن قال له: نعم جازت وجب عليه أن يقضي حاجته ويجيب طلبه مهما كان عظيماً. وإن ابى القول فمعناه أنه لا يجيب طلبه فيرجع الطالب من حيث أتى، لا يأكل زاده، ولا يشرب قهوته.

وصل ناصيف تواً الى باب القلعة، وهب الشيخ عباس لاستقباله والاحتفاء به ولكن ناصيف قبل ان ينزل عن ظهر جواده قال لعباس فوراً: هل جازت يا ابن العم ؟ فأجاب الشيخ عباس: نعم جازت على ما تختار وتريد عدا عمنا الشيخ قبلان !! فقال ناصيف: إياه اردت ولسنا بحاجة الى طعامك وشرابك، ولوى عنان جواده يريد الرجوع وتبعته الخيل. فلحقه عباس وقبض على عنان الجواد وقال: نعم نعم جازت على القلعة ومن فيها حتى قبلان.

ونزل ناصيف جزلاً طرباً، وضربت الطبول والصنوج وأطلق البارود، ونصب ميدان الجريد، وجالت الفرسان على الخيل يظهرون براعتهم بأنواع الفروسية. وجيء بالشيخ قبلان مكرماً وعقد ناصيف راية الصلح بيده ولفظ عليها العبارة المأثورة التي يقولها عاقد الراية وهي: (يا أهل المعونة من مكة والمدينة ليعلم الحاضر والغائب والغادي والبادي أن الراية عقدت بين فلان وفلان بكفالة الزعيم فلان).

وكان ناصيف حكيماً عاقلاً معروفاً بالشهامة والعدل ورأى أن إعادة الأموال والعروض المسلوبة وهي كثيرة جداً غير ممكن و تركها لا يتفق مع العدل والإنصاف. فأمر بتنظيم دفتر بأثمانها. قومت المسلوبات بعد البحث عنها من أصحابها تجار صور فبلغت أثمانها ماية وتسعين ألف غرش، والغرش في تلك الأيام كان على نسبة واحد من عشرة عملة ذهبية أو نحو ثمانين غرشاً سورياً في عملة هذه الأيام. ووضعوا ثمناً للشال الطرابلسي بغرشين ونصف، والتفصيلة القطنية بغرش وربع. وحرروا بقيمة المسلوب سنداً لأربع سنوات تدفع على أربعة أقساط وكفل القيمة الشيخ ناصيف نفسه.

إنتهى الخلاف وتصافى القوم وذهب كل إلى مقر حكومته مشيعاً بالإكرام. ولما وصل الشيخ ناصيف إلى البئر الواقع بالقرب من كفردونين في طريق إلى قلعة تبنين نزل للراحة قليلاً وإستعرض بفكره ما حدث، وكان بعيد النظر بصيراً بالعواقب، فتبين له أن المسألة لم تنته ِ عند حدها المعروف لعلمه بما وصف به قبلان من نكث العهود. فأمر ولده عقيلاً بالرجوع إلى قلعة مارون ومعه فارسان من حاشيته وقال له: قل لعمك عباس أن والدي أمرني أن أبقى رهينة عندك في القلعة حتى يفي قبلان ماعليه من الذمة، ولايبقى له وسيلة للإنتقاض والتسويف.

فرجع عقيل إلى قلعة مارون وأبلغ عباساً رسالة أبيه فإستشاط غضباً، وقال لعقيل: او حسبني ابوك خالي المرؤة حتى بعثك وأنت فلذة كبده رهينة عندي لقاء دريهمات. وأمر كاتبه بإحضار السندات الأربع فشقها قطعاً وألقاها في النار. وقال لعقيل: عد لأبيك وأخبره بما رأيت، وقد سامحت قبلان بهذا المال إكراماً له، وسأعوض على أصحابها من مالي الخاص. ثم أهدى لعقيل جواداً عربياً مسروجاً بسرج محلى بالفضة والذهب.

وعاد عقيل ومعه خادماه ووراءهما الحصان يقوده سائسه فلحق بأبيه عند عين المزراب بالقرب من تبنين فأخبره بما توقع فترنح سروراً وطرباً، وأنشد متحمساً قول ابي فراس:

 

انا إذا اشتد الزمـان                                      وناب خطب وادلهم

الفـيـت حول بيـوتنا                                     عدد الشجاعة والكرم

للقا العدى بيض السيوف                           وللندى حمر النعم

هذا وهـذا دأبنـا                                     يودى دم ويراق دم

 

توفي الشيخ عباس المحمد النصار في العام 1775 م وهو كان قد اوصى قبل وفاته أن يدفن في المحل المعروف بالمعشوق بجانب القبر الموجود هناك شرقي المدينة، وبني هناك بوصية منه قبتان متجاورتان أحدهما على قبره والثانية على قبر المعشوق وبني حولهما ابنية وحجر وجعل لها باب متسع وعلى احدى ناصيتي القبر هذا التاريخ:

سحائب قاني الدمع قان زخيرها               ونار الرزايا في الفؤاد زفيرها

لك الله من رزء وعظم رزيــة               يذيب الرواسي والقلوب هجيرها

رزية ندب أوحش الانس فقـده                 وزلزل أركان المعالي وسورها

ابي حمد العبـاس نجل محمـد               سجاياه من الذا اللحد فاح عبيرها

لئن غاب عنا وجهه وجماله               الى حيث فردوس الجنان وحورها

فذا حمد ثم الحسيـن واخـوة               ثمان شموس قد تلألأ نـــورها

سقى روحه الرحمن عفوا ورحمة           وروحا من الفردوس دام صدورها

فلما سرى للخلد قلت مؤرخــا                فللحور مرنا روحه أو مسيرها

                                                                                                        

ولا يزال قبر الشيخ عباس المحمد النصار قائماً الى يومنا هذا في منطقة المعشوق شرقي مدينة صور الا انه مهمل وفي حالة مزرية لا يتناسب مع قيمة وعظمة هذا الشيخ العاملي الكبير الذي اعاد بناء صور بعد ان ظلت خراباً لاربعمئة عام، وأحبه اهلها على اختلاف  مذاهبهم وطبقاتهم، ولقد قامت بلدية صور مؤخراً باطلاق اسم الشيخ النصار على احد شوارع المدينة الرئيسية وهو الشارع الممتد من مستديرة الشهيد كمال جنبلاط وصولاً الى مدافن المدينة.

 

عدد القراءات (1844)